صديق الحسيني القنوجي البخاري
68
فتح البيان في مقاصد القرآن
كِتاباً بدل من أحسن الحديث أو حال منه مُتَشابِهاً صفة لكتاب أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والاحكام ، وصحة المعاني وقوة المباني ، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة ، والدلالة على المنافع العامة ، وقال قتادة : يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف ، وقيل يشبه كتب اللّه المنزلة على أنبيائه ، عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول اللّه لو حدثتنا فنزل اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية . مَثانِيَ صفة أخرى لكتاب وهو جمع مثنى أو مثنى وأنه من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص وتتكرر فيه المواعظ والأحكام وقيل يثني في التلاوة فلا يمل سماعه ولا يسأم قارئه قرأ الجمهور مثاني بفتح الياء وقرىء بسكونها تخفيفا واستثقالا لتحريكها أو على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هو مثاني . قال ابن عباس القرآن كله مثاني وعنه قال القرآن يشبه بعضه بعضا ويرد بعضه إلى بعض ، وعنه قال كتاب اللّه مثاني ثنى فيه الأمر مرارا وصح وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا تراك تقول القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول أحكام وأقاصيص ومواعظ مكررات ، ونظيره قولك الانسان عروق وعظام وأعصاب . أو منصوب على التمييز من مُتَشابِهاً كما تقول رأيت رجلا حسنا شمائل ، والمعنى متشابهة مثانية . قال الرازي في تبيين معنى مثاني إن أكثر الأشياء المذكورة في القرآن متكررة زوجين زوجين ، مثل الأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمفصل ، وأحوال السماوات والأرض والجنة والنار ، والنور والظلمة ، واللوح والقلم والملائكة والشياطين والعرش والكرسي والوعد والوعيد والرجاء ، والخوف ، والمقصود في ذلك البيان أن كل شيء ما سوى الحق زوج ، وأن الفرد الأحد الحق هو اللّه ولا يخفى ما في كلامه هذا من التكلف والبعد عن مقصود التنزيه . تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي تضطرب وتتحرك وتشمئز صفة الكتاب أو حال منه ، لأنه وإن كان نكرة فقد تخصص بالصفة ، أو مستأنفة لبيان ما يحصل عند سماعه من التأثر لسامعيه ، والاقشعرار التقبض . يقال اقشعر جلده إذا تقبض ، وتجمع من الخوف ، ووقف شعره ومنه القشعريرة ، والمعنى أنها تأخذهم منه قشعريرة . قال الزجاج : إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين للّه ، وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند ذكر الوعيد ، والوجل والخوف . وقيل المراد بالجلود القلوب والأول أولى لذكرها فيما بعد . قال الواحدي : وهذا قول جميع المفسرين . وقيل : المعنى أن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة ، فكانوا إذا رأوا